صبحي الصالح
97
مباحث في علوم القرآن
ومن المحدثات التي كرهها العلماء أول الأمر ثم انتهوا إلى إباحتها أو استحبابها أخيرا بدعة كتابة العناوين في رأس كل سورة ، ووضع رموز فاصلة عند رؤوس الآي ، وتقسيم القرآن إلى أجزاء ، والأجزاء إلى أحزاب ، والأحزاب إلى أرباع ، والإشارة إلى ذلك كلّه برسوم خاصة . والرموز المشيرة إلى رؤوس الآي سارع الناس إلى تلقيها بالقبول قبل سواها ، لاحتياجهم إلى معرفة تقسيم الآيات ، ولا سيما بعد أن انعقد الإجماع على أن ترتيب الآيات توقيفي « 1 » . وقد تباينت طرائق رمزهم إليها ، فقد يذكرون عند رأس كل آية رقم عددها من السورة ، وقد يغفلون ذلك . وأحيانا يضعون كلمة عشر أو رأس « العين » حرفها الأول عند نهاية كل عشر آيات من السورة « 2 » ، أو كلمة خمس أو رأس « الخاء » حرفها الأول عند نهاية كل خمس آيات ، ولا يجدون في شيء من ذلك بأسا . أما العناوين التي كانوا يكتبونها في فواتح السور منوّهين فيها بأسمائها وما فيها من الآيات المكية والمدنيّة ، فكانت لا بدّ أن تثير معارضة عنيفة في الأوساط المحافظة ، لأن كثيرا من العلماء بله عامة الناس ، كانوا يعتقدون أن هذه الأمور ليست توقيفيّة ، بل للصحابة فيها نصيب غير قليل من الاجتهاد . وإذا كنّا لم نسلم بأن ترتيب السور اجتهادي ، بل رجحنا أنّه كترتيب الآيات توقيفي « 3 » ، فإنّنا لا نملك دليلا قويّا على أنّ أسماء السور توقيفية أيضا « 4 » ، وليس في وسعنا أن ندّعي الإجماع على مكية بعض السور ومدنيّة بعضها الآخر
--> ( 1 ) ومع ذلك ، اختلف العلماء في عدد الآي ، وقد بين الزركشي ( البرهان 1 / 251 - 252 ) أن سبب هذا الاختلاف « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يقف على رؤوس الآي للتوقيف ؛ فإذا علم محلها وصل للتمام ، فيحسب السامع أنها ليست فاصلة » . ( 2 ) وفي البرهان 1 / 251 : « وأما وضع الأعشار فقيل : إن المأمول العباسي أمر بذلك ؛ وقيل : إن الحجاج فعل ذلك » . ( 3 ) راجع ص 69 إلى 71 . ( 4 ) قال الزركشي في البرهان 1 / 270 : « وينبغي البحث عن تعداد الأسامي : هل هو توقيفي أو بما يظهر من المناسبات ؟ فإن كان الثاني فلن يعدم الفطن أن يستخرج من كل سورة معاني كثيرة تقتضي اشتقاق أسمائها وهو بعيد » . وانظر الاتقان 1 / 90 .